فخر الدين الرازي
367
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بسم اللّه الرحمن الرحيم سورة الفلق مقدمة قبل الخوض في التفسير لا بد من تقديم فصلين : الفصل الأول : سمعت بعض العارفين فسر هاتين السورتين على وجه عجيب فقال : إنه سبحانه لما شرح أمر الإلهية في سورة الإخلاص ذكر هذه السورة عقيبها في شرح مراتب مخلوقات اللّه فقال أولا : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وذلك لأن ظلمات العدم غير متناهية ، والحق سبحانه هو الذي فلق تلك الظلمات بنور التكوين والإيجاد والإبداع ، فلهذا قال : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ثم قال : مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ والوجه فيه أن عالم الممكنات على قسمين عالم الأمر وعالم الخلق على ما قال : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] وعالم الأمر كله خيرات محضة بريئة عن الشرور والآفات ، أما عالم الخلق وهو عالم الأجسام والجسمانيات ، فالشر لا يحصل إلا فيه ، وإنما سمي عالم الأجسام والجسمانيات بعالم الخلق لأن الخلق هو التقدير والمقدار من لواحق الجسم ، فلما كان الأمر كذلك لا جرم قال : أعوذ بالرب الذي فلق ظلمات بحر العدم بنور الإيجاد والإبداع من الشرور الواقعة في عالم الخلق وهو عالم الأجسام والجسمانيات ، ثم من الظاهر أن الأجسام ، إما أثرية أو عنصرية والأجسام الأثرية خيرات ، لأنها بريئة عن الاختلال والفطور ، على ما قال : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [ الملك : 3 ] وأما العنصريات فهي إما جماد أو نبات أو حيوان ، أما الجمادات فهي خالية عن جميع القوى النفسانية ، فالظلمة فيها خالصة والأنوار عنها بالكلية زائلة ، وهي المراد من قوله : وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ وأما النبات فالقوة العادية النباتية هي التي تزيد في الطول والعرض والعمق معا ، فهذه النباتية كأنها تنفث في العقد الثلاثة ، وأما الحيوان فالقوى الحيوانية هي الحواس الظاهرة والحواس الباطنية والشهوة والغضب وكلها تمنع الروح الإنسانية عن الانصباب إلى عالم الغيب ، والاشتغال بقدس جلال اللّه وهو المراد من قوله : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ ثم إنه لم يبق من السفليات بعد هذه المرتبة سوى النفس الإنسانية وهي المستعيذة ، فلا تكون مستعاذا منها ، فلا جرم قطع هذه السورة وذكر بعدها في سورة الناس مراتب درجات النفس الإنسانية في الترقي ، وذلك لأنها بأصل فطرتها مستعدة لأن تنتفش بمعرفة اللّه تعالى ومحبته إلا أنها تكون أول الأمر خالية عن هذه المعارف بالكلية ، ثم إنه في المرتبة الثانية يحصل فيها علوم أولية بديهية يمكن التوصل بها إلى استعلام المجهولات / الفكرية ، ثم في آخر الأمر تلك المجهولات الفكرية من القوة إلى الفعل ، فقوله تعالى : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ إشارة إلى المرتبة الأولى من مراتب النفس الإنسانية